أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
322
العمدة في صناعة الشعر ونقده
والخفيف أيضا ، وإليه يرجع اشتقاقه ، وزعم غير ابن الكلبي أن الأبيات لامرئ القيس بن عابس « 1 » الكندي . - ويقال : إن أبا نواس كان يفعل هذا الفعل ، فينفى الدنيّ ، ويبقى الجيد ، وليلتمس له من الكلام ما سهل ، ومن القصد ما عدل ، ومن المعنى ما كان واضحا جليّا ، يعرف بديّا ، فقد قال بعض المتقدمين : شرّ الشعر ما سئل / عن معناه . - وكان الحطيئة يقول « 2 » : خير الشعر الحولىّ المحكّك ، أخذ في ذلك بمذهب زهير ، وأوس ، وطفيل . - ولا يجوز للشاعر - كما لا يجوز لغيره - أن يكون معجبا بنفسه ، مثنيا على شعره ، وإن كان جيدا في ذاته ، حسنا عند سامعه ، فكيف إن كان دون ما يظن ! ! كقوم أفردوا لذلك أنفسهم ، وأفنوا فيه أعمارهم ، وما يحصلون على طائل ، وقد قال اللّه عز وجل : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، [ سورة النجم : 32 ] اللهم إلا أن يريد الشاعر ترغيب الممدوح ، أو ترهيبه ، فيثنى على نفسه ، ويذكر فضل قصيدته ، فقد جعلوه مجازا مسامحا فيه ، كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم ، على أن أبا تمام يقول « 3 » : [ الكامل ] ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن * هو بابنه وبشعره مفتون « 4 » وإن كان أوصف الناس لقصيده ، وأكثرهم ولوعا بذلك . وهذا ما دام شعرا كان محمولا على ما قدمناه ، وإنما المكروه المعيب أن يكون
--> ( 1 ) هو امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن السمط . . . الكندي ، شاعر مخضرم ، ووفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ولم يرتد في أيام أبى بكر ، وأقام على الإسلام ، وكان له عناء في الردة ، وقد أخذ الكميت بعض أشعاره ، ولم يغير فيها إلا القافية . الشعر والشعراء 2 / 581 ، والمؤتلف والمختلف 5 ، والاشتقاق 370 ، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف 429 وما بعدها ، والخزانة 1 / 335 ( 2 ) هذا القول بنسبته في البيان والتبيين 3 / 13 ، والشعر والشعراء 1 / 78 ، وهو دون نسبة في عيون الأخبار 2 / 182 ( 3 ) ديوان أبى تمام 3 / 331 وانظر ما قيل عنه في الموازنة 3 / 2 / 683 ( 4 ) في المطبوعتين والمغربيتين جاء الشطر الثاني هكذا : « يأتيك وهو بشعره مفتون » ، وما في ص وف يوافق الديوان .